مجتمع الصحة

إدمان الفيسبوك.. هل يحتاج علاجا نفسيا للإقلاع عنه؟

صحة نيوز – “مدمن فيسبوك” بهاتين الكلمتين وصفت الثلاثينية ليلى زوجها، قائلة، “لا أعتقد أن هناك شخصا مولعا بالفيسبوك مثله، طوال الوقت أون لاين، في العمل.. في البيت.. أثناء الزيارات، ورغم الانتقادات العديدة من قبل الآخرين له ونشوب العديد من الخلافات بيننا إلا أنه لا يكترث بالأمر”.
تضيف، “أول ما يستيقظ أرى الهاتف النقال بيده يتابع ما نشر أو فاته عبر موقع الفيسبوك، عند تناول الطعام، لدى عودته من العمل أيضا، أصبح لا يهتم بوجودنا في المنزل، لا يلعب مع أولاده أو يحاورهم.. لا يتحدث عن أي شيء إلا إذا قمت بتوجيه سؤال أو أمر مهم، وحقيقة سلوكه هذا منفر، بل يستدعي العلاج”.
ليلى تتابع موقع الفيسبوك، لكن بحدود وبأوقات معينة وقليلة جدا، مبينة أن الفيسبوك وسيلة للمعرفة والتسلية نحن نتحكم بها لا تتحكم هي بنا.
تحتل وسائل التكنولوجيا جزءا كبيرا في حياتنا، ومنها إحدى مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) الذي بات يأخذ مقدارا من الوقت مثل تحديث الأوضاع ونشر الصور والتعليق، ولا سيما أن توفر الهواتف الذكية سهّل دخول هذه المواقع.
ومع كثرة استخدام الفيسبوك هنالك الكثير من مستخدميه أصبحوا مدمنين على استعماله ما يؤثر على حياتهم النفسية والأسرية والإجتماعية.
وكان قد نشر خبر على مواقع الانترنت مؤخرا عن افتتاح عدد من اختصاصيي الطب النفسي الجزائريين مصحة خاصة للعلاج من الإدمان على فيسبوك، وتعتبر هذه المصحة الأولى من نوعها في العالم العربي، والثالثة في العالم، إذ سبقت الصين وكوريا الجزائر في هذا الصدد.
ويعتبر القائمون على المصحة أن هناك مخدرات غير مادية خطرها يضاهي خطر المخدرات المادية.
وقال مدير المؤسسة الصحية والخبير في التنمية البشرية رؤوف بوقفة أحد مؤسسي المشروع، في تصريح له “إن كان البعض يخشى من ضرر وخطر السحر الأسود فأنا هنا أعلن أنّ هناك سحراً أخطر وأشد ضرراً هو “السحر الأزرق”، وهو سحر “الفيسبوك” خصوصاً والإنترنت عموماً”.
ويضيف بوقفة، “لذا جاءت الفكرة للحدّ من ثلاثة أضرار وهي الحد من الضرر النفسي للمدمن، وللحد من الضرر الاجتماعي وللحد من الضرر الأمني، فالذي يعيش في العالم الافتراضي يَسهُل “غسل دماغه من الجماعات التكفيرية وتجنيده من خلال الإنترنت”، بحسب الدكتور رؤوف بوقفة.
كما تعترف الموظفة ولاء (38 عاما) بأنها من مدمني الفيسبوك تقول “أقوم بنشر جميع نشاطاتي في المنزل، في العمل، مع أولادي، ورحلاتنا، والمناسبات وغيرها، وأحيانا مواقف بسيطة في الشارع، هذه المنشورات وتعليقات الأصدقاء عليها تشعرني بالسعادة، ولكنها تزعج الآخرين منهم زوجي وأبنائي”.
وتبين ولاء بأن اهتمامها بالفيسبوك يحتل جزءا كبيرا من وقتها، كما أنه تسبب بخلاف بينها وعائلتها “والدتها وأشقائها” التي أصبحت تستبدل المكالمات الهاتفية بالماسنجر للاطمئنان على أحوالهم.
الاستشاري الأسري د. أحمد سريوي يقول، “إدمان الفيسبوك هو أمر حقيقي وواقعي، ولا يمكن نكرانه على الإطلاق، فلقد تعرضت في عيادتي النفسية والأسرية للعديد من الحالات التي سببت خلافا كبيرا من الزوجين وكان السبب إدمان أحد الزوجين على الفيسبوك”.
ويضيف “ولدى سؤالي للزوج قال: إن الفيسبوك أصبح جزءا لا يتجزأ من حياته، ولا يستطيع أن يستغني عنه أبدا”، وهناك حالات أخرى يقول فيها الشخص إنه يبقى يتصفح الفيسبوك مرارا وتكراراً، ويبحث عن أي منشور جديد حتى لو كان غير مهم، المهم ان يبقى يتصفح الفيسبوك، في ذلك ادمان معنوي حقيقي غير مادي لكنه يشابه في فعاليته ادمان المخدرات، وفق سريوي.
ويبين انه سبق في سنوات ماضية ادمانات مماثلة لهذا الموضوع، منها ادمان الإنترنت، والالعاب الالكترونية، والكمبيوتر، حيث كلها تعتبر من أنواع الإدمان المعنوي والتي تحتاج فعلاً الى علاج وتنظيم وعدم إهمال، حيث العواقب وخيمة على الفرد وعلى الأسرة وعلى المجتمع ككل.
ويلفت اختصاصي علم النفس التربوي د. موسى مطارنة إلى أن الفيسبوك موقع تواصل اجتماعي مثله مثل غيره من مواقع التواصل، وما يمارس كسلوك على الفيسبوك يمارس على جميع وسائل التواصل الاجتماعي السريع نتيجة ثورة التكنولوجيا.
يقول، “الاصل ان نسمي ادمان الفيسبوك اساءة استخدام لوسائل التواصل الإجتماعي”، مضيفا أن التعامل مع الفيسبوك بهذه الطريقة هو حالة سلوكية نتيجة لوضع تربوي، وضع أسري، وضع مجتمعي جعل هناك حالة من التوحد مع الفيسبوك، لأنه اصبح نمطا، ولذلك يمكننا تسميته (توحد فيسبوكي).
ويقول، “لذلك يجب أن ندرك أن هناك حالة من التوحد يعيشها الإنسان مع الفيسبوك، وهي نتيجة تربوية، فإذا كان الطفل يصحو ويرى والديه يتعاملان مع الفيسبوك وطوال الوقت على الهاتف النقال أو مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، سيقوم بتقليدهم”.
ويؤكد أن هذا النمط السلوكي سيئ وله انعكاسات سلبية على حياة الإنسان الإجتماعية، والإشكالية تبدأ من الطفولة يجب أن لا يتم دمج الأطفال بوسائل الاتصال سواء الفيسبوك أو غيره قبل سن النضوح، مركزا على ضرورة رقابة الأهل ومتابعتهم لاستخدام الطفل للأجهزة الحديثة سواء الهاتف النقال أو الكمبيوتر.
وسائل التكنولوجيا وجدت لخدمة البشرية وفق مطارنة، فقد سهلت أمورا كثيرة ويجب ان نتعامل معها على هذا الأساس، وعليه يجب أن يكون لدينا وعي أسري كاف لحماية الأطفال ورعايتهم من الإندماج بهذه الوسائل التي تسبب له في المستقبل مشكلة.
ويلفت خبير أمن المعلومات والاتصال الرقمي د. عمران سالم إلى أن الفيسبوك يعتبر من مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر جاذبية لجميع الأعمال والفئات لعدة أسباب من أهمها انه يجمع كل خصائص تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي في العالم الرقمي المعاصر، حيث من خلاله نستطيع قراءة الأخبار السياسية والرياضية ومشاركة الفيديو والصور الشخصية والعامة كما يمكن كتابة المشاركات القصيرة والمقالات المطولة على حد سواء.
ويمكن مشاركة وصلات الانترنت والألعاب الإلكترونية والصداقات وإجراء الحوارات (الشات) والاتصالات الصوتية بكل سهولة ويسر. وأخيرا الخدمة الجديدة وهي البث الحي من خلال الهاتف الخلوي، كما يتميز الفيسبوك بسهولة التعامل مع واجهة الاستخدام بالإضافة لاستخدام تطبيقه من خلال كافة الأجهزة الشخصية او الخلوية أو اللوحية.
كما ان التواصل مع الآخرين على الفيس بوك بالذات يمكن ان يكون أكثر سرية (في نظر المدمن) وذلك باستخدام الأسماء الوهمية، وهذا يعطي الطمأنينة للمدمن للدخول في أي حديثٍ مع أي شخص بل يذهب البعض لتقمص شخصيات أخرى لتعويض نقص ما في حياته الحقيقية!!!
هذه الأسباب وغيرها جعلت الإدمان على هذه المنصة أمرا مألوفا ليس في منطقتنا فحسب بل في العالم أجمع، وفق الدكتور سالم.
يقول، “عندما نتحدث عن الإدمان، يجب ان نذكر أعراض الإدمان ومخاطره على الفرد والمجتمع، فالمدن تجده يكرر النظر في مشاركاته لمتابعة عدد المعجبين بموضوعه وعدد التعليقات، المدمن تجده حريصا على إبقاء الهاتف مشحونا والأنترنت فعالا فأثبتت الدراسات ان المدمنين الإلكترونيين يعانون من رهاب غياب الهاتف (Nomophobia) وذلك بوجوده دائما بجانب الهاتف اثناء الشحن ووجود الهاتف بجانبه اثناء النوم بالإضافة لاقتناء بطارية احتياطية في الكثير من الأوقات”.
ويضيف أن المدمنين يقضون وقتا كبيرا على منصات التواصل الاجتماعي بشكل مفرط لدرجة أن إحدى الدراسات وجدت ان معدل مشاهدة الخلوي (للناس الطبيعيين) للاطلاع على أي جديد فيه قد تصل في معدلها لأكثر من 85 مرة في اليوم ويقضون ما يقارب من 5 ساعات للتصفح وقراءة الأخبار وتطبيقات منصات التواصل الاجتماعي.. فكم يقضي المدمنون؟!
يؤكد أن المدمنين على منصات التواصل الاجتماعي اقل اجتماعيا في الحياة الحقيقية من غيرهم، فعالمهم هو العالم الرقمي لذلك نلاحظ عليهم إهمالاً كلياً أو جزئياُ لحياتهم الاجتماعية والالتزامات العائلية والمهنية بالإضافة إلى إهمال الهوايات المحببة وتشتت التركيز في بعض الأحيان.
ويبين أن المشكلة الأكبر على حياة المدمنين هي سهولة وقوعهم ضحايا للجرائم الإلكترونية، فالمدمن يحاول أن يجد أي سبب للمكوث أكبر قدر ممكن من الوقت في أحضان منصات التواصل الاجتماعي مما يجعله عرضة للوقوع في حبال المحتالين والهاكرز بسهولة بسبب رغبته في اكتشاف الغموض في الروابط المرفقة والرسائل الغريبة والتعرف على كل شخص يحاول التعرف عليه.
ويلفت انه حتى اللحظة لا يوجد إجماع حقيقي وواضح من قبل المختصين على أفضل طريقة لعلاج الإدمان على الفيس بوك لكن للخروج من هذا المأزق لا بد من توفر إرادة قوية من قبل المستخدمين وذلك باستغلال أوقاتهم في أعمالهم او هواياتهم وصداقتهم الحقيقية.
يقول، “أما الناشئة فيجب على أولياء الأمور والمؤسسات التعليمية نشر الوعي بين الجيل الناشئ حول الاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعي كما يجب عليهم اشغال أوقات هذا الجيل بالواجبات والهوايات الحقيقية عبر الأندية والأنشطة الثقافية”.
وينصح في الحالات المتقدمة بإقامة عيادة خاصة يشرف عليها اختصاصيون نفسيون للمساعدة في إقلاع مدمني مواقع التواصل الاجتماعي كما الحال في الكثير من الدول مثل الولايات المتحدة وإيرلندا وكوريا الجنوبية والجزائر.
قبل ذلك يجب أن يعترف مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي بإدمانهم هذه المنصات للبدء في العلاج. فالتشخيص هو بداية العلاج الحقيقي، وفق الدكتور سالم.

تعليقاتكم