مقالات طبية

كيف نتفادى الإصابة بأمراض الحساسية؟

صحة نيوز – على الرغم من أن البكتيريا النافعة يمكن أن تحمينا من الأمراض، إلا أننا لا يجب أن نتخلى عن العادات الصحية الشائعة. وقد لاحت في الأفق طرق عديدة أكثر فعالية للحفاظ على “الميكروبيوم”؛ أي مجموع الكائنات الدقيقة النافعة التي تعيش داخل أجسادنا.
وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، تبيّن أن الكثير من البكتيريا والطفيليات لا تؤذينا كما كنا نظن، بل قد تعمل على حماية أجسامنا؛ إذ تحول دون دخول الكائنات الدقيقة الأكثر ضررا إلى أجسادنا، وتعدل جهازنا المناعي تعديلا طفيفا ليصبح أكثر فعالية.
ودفع ذلك البعض إلى اقتراح تفادي غسل اليدين بالصابون كليا، زاعمين أن الإفراط في النظافة قد يضعف صحتنا في واقع الأمر؛ إذ قد يزيد من معدل الإصابة بأمراض مثل التهاب الأنف الناتج عن استنشاق مسببات الحساسية (والذي يسمى بحمى القش) والربو، والحساسية من بعض الأنواع من الطعام.
ولكن هل آن الأوان لدحض هذه النظرية؟
وبحسب ورقة بحثية جديدة، نشرت مؤخرا في دورية “بريسبيكتيف إن بابليك هيلث” الصادرة عن الجمعية الملكية للصحة العامة في بريطانيا الشهر الحالي، تحت عنوان “فرضية النظافة الزائفة”، فإنه لا الإفراط في النظافة يفيد، ولا عدم غسل اليدين يجدي نفعا.
وفي المقابل، علينا أن نضع إطار “النظافة المطلوبة”، لنحدد بموجبه الخطوات التي من شأنها أن تحد من انتقال الكائنات الضارة، مع عدم المساس بالبكتيريا النافعة.
تقول سالي بلومفيلد، الأستاذة الفخرية بكلية لندن للصحة العامة والطب المداري، وأحد الناشرين الرئيسيين لهذه الورقة البحثية: “يظن الناس أن المشكلة تكمن في إفراطنا في النظافة، لكن النظافة هي ما يجب أن نفعله في الوقت المناسب والمكان المناسب. فليس المهم أن تكون الغرفة نظيفة من حولنا، بل العبرة بما سنفعله نحن في هذه الغرفة”.
ويقول غراهام روك، الأستاذ الفخري بجامعة لندن كوليدج، والمشارك في كتابة الورقة البحثية: “في الحقيقة أن النظافة المنزلية، كما يفهمها الناس، لا تحدّ من تعرضنا للكائنات الدقيقة بقدر ما تحد منه المضادات الحيوية، والأنظمة الغذائية الحديثة، وأنماط الحياة في المدن”.
وأضاف: “لا ينبغي علينا أن نتوقف عن غسل أيدينا”.
ويزعم الكثير من الناس أن الإصابة بالحساسية هي الثمن الذي يجب أن ندفعه في مقابل خلونا من الأمراض المعدية مثل الحصبة. وهذا يتوافق مع “فرضية النظافة”، (التي تنص على أن المبالغة في النظافة في مرحلة الطفولة تضعف الجهاز المناعي وتزيد من احتمالات الإصابة بأمراض الحساسية)، التي طرحها للمرة الأولى البروفيسور ديفيد ستراشان، اختصاصي الأوبئة بمستشفى سانت جورج في توتنغ، ساوث لندن، سنة 1989.
وحاول ستراشان جاهدا الوقوف على أسباب زيادة نسبة الإصابة بأمراض الحساسية على الرغم من توافر المياه النظيفة للشرب، وتطعيمات الأطفال ومرافق الصرف الصحي، وكل ذلك كان من شأنه الحد من الإصابة بالأمراض المعدية القاتلة مثل التيفوئيد والكوليرا.
ومع مرور الوقت، باتت الرسالة أكثر وضوحا، ومفادها: “الإفراط في النظافة يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالأمراض”. بيد أن فرضية النظافة هذه لها مشاكل أخرى.
فإذا دققنا في البيانات، سنجد أن الارتفاعات المفاجئة في نسب الإصابة بالتهاب الأنف الناتج عن استنشاق مسببات الحساسية والربو وحساسية الطعام قد ظهرت في أوقات مختلفة على مدار السنوات الـ120 الماضية؛ أي بعد التطورات الكبيرة التي طرأت في مجالات معالجة المياه بالكلور، والصرف الصحي، والنظافة العامة.
وهذا يشي بأن ثمة عوامل عديدة قد أدت إلى ارتفاع نسب الإصابة بالحساسية. كما دحضت دراسات أخرى الرابط المفترض بين الأمراض المعدية في مرحلة الطفولة والحساسية.
ويقول بول تيرنر، اختصاصي الحساسية ومناعة الأطفال لدى جامعة “إمبريال كوليدج لندن”، وقد شارك في الورقة البحثية أيضا: “لقد طرأت تغيرات هائلة على مدار القرن الماضي على النمط الذي نعيش به حياتنا، والوقت الذي نقضيه في الداخل وفي الخارج، وكيف نقضي هذا الوقت في الهواء الطلق”.
وتابع: “نحن نحافظ على نظافة معظم أجزاء أجسامنا ونرتدي الأحذية، فلسنا ملطخين بالأوساخ، ولا نسير حفاة الأقدام، ولا تتخذ مختلف الكائنات الحية أجسامنا مرتعا لها. ولهذا من الصعب للغاية أن تُعزي هذا كله إلى سبب واحد بعينه (أي الإفراط في النظافة)، بل إن هذا يعد من قبيل التضليل”.
وأفضل الافتراضات في الوقت الحالي هو أن الإصابة بالبرد والحصبة وغيرها من الأمراض المعدية لا تقوي الجهاز المناعي السليم، ولكن يعززه ويدعمه “أصدقاؤنا القدامى” الذين كانوا يلازموننا في مراحل التطور كافة التي مرّ بها الجنس البشري، مثل الميكروبات البيئية، والديدان الطفيلية، التي يصعب العثور عليها في البلدات والمدن.
فضلا عن عوامل أخرى مثل زيادة معدلات التلوث، والتعرض لحبوب اللقاح الدخيلة التي نُقلت من أراض أخرى، ولولا كل هذه العوامل لزاد احتمال الإصابة بأمراض الحساسية.
يقول ويليام باركر، الذي يجري أبحاثا في مجال بيولوجيا القناة الهضمية بجامعة ديوك في نورث كارولينا، ونشر تعليقا منفصلا في هذا الإصدار الخاص: “إن النظام المناعي في البيئة الحالية يشبه السيارة التي تحتاج إلى بعض التعديلات؛ إذ إن الجهاز المناعي لا يعمل بكفاءة، بسبب كثرة الالتهابات، كما تنقصه بعض التعديلات الطفيفة التي يجب أن تطرأ على الجهاز المناعي”.
ويوافقه الرأي ديفيد داولينغ، الباحث الزميل في طب الأطفال بمستشفى الأطفال في بوسطن؛ إذ يقول: “تشوب فرضية النظافة، التي طُرحت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، نقيصة قد يصعب ملاحظتها ولكنها خطيرة؛ إذ لم تضع في الحسبان أنه بينما قد يكون التعرض لبعض الكائنات الميكروبية مضرا وقد يؤدي إلى الإصابة بالعدوى، فإن التعرض للبعض الآخر في بيئتنا قد يكون نافعا ولكن بطرق لم ندركها بعد”.
وأضاف قائلا: “أهم ما في الأمر هو زيادة التعرض للكائنات الميكروبية المناسبة بالقدر المناسب، ولكن لا يوجد دليل قوي على أن التعرض المناسب يقتضي الإصابة بمسببات الأمراض”.
ويقول بلومفيلد: “هذا يعني أنه ليس من المهم أن تحافظ على نظافتك في كل الأوقات، ولكن المهم أن تحرص على الالتزام بالنظافة في الأوقات والأماكن ذات الأهمية للحفاظ على الصحة”.
وفي الوقت نفسه، يوصي بعض الخبراء باتخاذ عدد من الخطوات لتحسين طرق التعرض للميكروبات النافعة، ولا سيما في مرحلة الطفولة.
ويضيف روك “أن نظامنا الغذائي لا يقل أهمية أيضا، ويبدو أن الألياف والبولي فينول (الذي يوجد في الفواكه والخضراوات) يسهمان في الحفاظ على تنوع الكائنات المجهرية التي تعيش في القناة الهضمية التي تسمى مجهريات البقعة، في حين تقلل الأنظمة الغذائية التي تخلو من هذين العنصرين من هذا التنوع، حتى إن بعض الأنواع المهمة من الميكروبات تندثر تماما”.

تعليقاتكم